محمد سعيد رمضان البوطي

325

فقه السيرة ( البوطي )

إن الخطاب الذي ألقاه عليهم جوابا على هذه الوساوس ، ليفيض بمعاني الرقة والذوق الرفيع ، ومشاعر المحبة الشديدة للأنصار ، وهو يفيض في الوقت ذاته بدلائل التألم من أن يتهم من قبل أحب الناس إليه بنسيانهم والإعراض عنهم . عد إلى خطابه هذا فتأمله . . فسترى أنه قد ضمنه أدق خفقات قلبه وألطف إحساساته ! . . ولقد لامست هذه الرقة والخفقات مشاعر الأنصار فهزتها هزا ، ونفضت منها ما كان قد علق بها من الوساوس والهواجس ، فارتفعت أصواتهم بالبكاء فرحا بنبيهم وابتهاجا بقسمتهم ونصيبهم . فما المال وما الشياه والغنائم ، في جنب حبيبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ يعودون به ويعود بهم إلى ديارهم ليكون المحيا والممات فيما بينهم ؟ وأي برهان منه عليه الصلاة والسلام ينطق بالوفاء وخالص المحبة والود أكثر من هذا . . أي أكثر من أن يدع وطنه ومسقط رأسه ليقضي بقية أيامه فيما بينهم ؟ ! . ثم متى كان المال في ميزان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دليلا على التقدير والحب ؟ ! . إنه أعطى قريشا كثيرا من الأموال والغنائم . . فهل خص نفسه بشيء من ذلك أم جعل نصيبه منه كنصيب الأنصار ؟ لقد عمد إلى « الخمس » الذي جعله اللّه خاصا برسوله يضعه حيث شاء ، فوزعه بين أولئك الأعراب الذين كانوا من حوله . وتأمل فيما قاله لهم ، وهم يحدقون به ويستزيدون في العطاء : « أيها الناس ، واللّه ما لي من فيئكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » . صلى اللّه عليك يا سيدي يا رسول اللّه وعلى أصحابك البررة من الأنصار والمهاجرين ، وجمعنا تحت لواءك المحمود ، وجعلنا مع أولئك الذين سيلقونك على الحوض يوم القيامة . غزوة تبوك وسببها ، على ما رواه ابن سعد وغيره ، أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين كانوا يتنقلون بين الشام والمدينة للتجارة ، أن الروم قد جمعت جموعا وأجلبت إلى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم ، ووصلت طلائعهم إلى